الشيخ الصدوق

447

كمال الدين وتمام النعمة

فلما مثل لي أسرعت إلى تلقيه فأكببت عليه ألثم كل جارحة منه ، فقال لي : مرحبا بك يا أبا إسحاق لقد كانت الأيام تعدني وشك لقائك والمعاتب بيني وبينك على تشاحط الدار وتراخى المزار ( 1 ) ، تتخيل لي صورتك حتى كانا لم نخل طرفة عين من طيب المحادثة ، وخيال المشاهدة ، وأنا أحمد الله ربي ولي الحمد على ما قيض من التلاقي ورفه من وكربة التنازع ( 2 ) والاستشراف عن أحوالها متقدمها ومتأخرها . فقلت : بأبي أنت وأمي ما زلت أفحص عن أمرك بلدا فبلدا منذ استأثر الله بسيدي أبي محمد عليه السلام فاستغلق علي ذلك حتى من الله علي بمن أرشدني إليك ودلني عليك ، والشكر لله على ما أوزعني ( 3 ) فيك من كريم اليد والطول ، ثم نسب نفسه وأخاه موسى ( 4 ) واعتزل بي ناحية ، ثم قال : إن أبي عليه السلام عهد إلي أن لا أوطن من الأرض إلا أخفاها وأقصاها إسرارا لامري ، وتحصينا لمحلي لمكائد أهل الضلال والمردة من أحداث الأمم الضوال ، فنبذني إلى عالية الرمال ، وجبت صرائم الأرض ( 5 ) ينظرني الغاية التي عندها يحل الامر وينجلي الهلع ( 6 ) .

--> ( 1 ) الوشك - بالفتح والضم - : السرعة . والمعاتب المراضى من قولهم " استعتبته فأعتبني أي استرضيته فأرضاني وتشاحط الدار : تباعدها . ( 2 ) التقييض : التيسير والتسهيل ، والتنازع : التساوق من قولهم نازعت النفس إلى كذا أي اشتاقت . وفى بعض النسخ " التنارح " أي التباعد . ( 3 ) أي ألهمني . ( 4 ) هذا خلاف ما أجمعت عليه الشيعة الإمامية من أنه ليس لأبي محمد ولد الا القائم عليه وعلى آبائه السلام . فتأمل . ( 5 ) العالية " : كل ما كان من جهة نجد من المدينة من قراها وعمائرها إلى تهامة العالية ، وما كان دون ذلك السافلة . ( المراصد ) . و " جبت صرائم الأرض " أي قطعت ودرت ما انصرم من معظم الرمل يعنى الأراضي المحصود زرعها . وفى بعض النسخ " خبت " بالخاء المعجمة - وهو المطمئن من الأرض فيه رمل . ( 6 ) الهلع : الجزع .